0

التطور التاريخي لكتاب المدونة والمختلطة في الفقه المالكي

4:40 م 5:14 م 0 مراجعة

التطور التاريخي لكتاب المدونة والمختلطة في الفقه المالكي


أمهات كتب الفقه المالكي أربعة المدونة والواضحة والعتبية والموازية . إلا أن للمدونة مكانة خاصة بين هذه الكتب فقد كانت مقدمة على غيرها . وهي الأصل الثاني بعد الموطأ ويكفي لبيان أهميتها أنها خلاصة جهد ثلاث أئمة مالك وابن القاسم وسحنون . فما قصة هذا الكتاب العظيم ؟ 
التطور التاريخي لكتاب المدونة والمختلطة في الفقه المالكي
التطور التاريخي لكتاب المدونة والمختلطة في الفقه المالكي
المصادر الأساسية التي تضمنت أقوال مالك رحمه الله كتابه الموطأ والأمهات الأربعة وهي : 

  • الواضحة لابن حبيب وهو من تلاميذ ابن القاسم , وهذا الكتاب اشتهر في الأندلس ثم طغت عليه العتبية فهجر .
  • العتبية لمحمد العتبي وتسمى أيضا بالمستخرجة , وقد اشتهرت في الأندلس . وعليها شرح ابن رشد المعروف بالبيان والتحصيل .
  • الموازية لابن مواز واشتهرت عند المصريين .
  • المدونة الكبرى واشتهرت عند المصريين والقيراونيين وهي موضوع حديثنا 

ويضيف بعضهم لهذه الأربع كتاب المجموعة لابن عبدوس وهو من تلاميذ ابن سحنون . ولكن لما كان موضوع حديثنا عن المدونة فسنقتصر عليها .

التأليف والتصحيح والتنقيح لكتاب المختلطة


تنسب المدونة للإمام مالك باعتبار أن أغلب ما فيها من أقوال هي أقواله رحمه الله , كما تنسب لابن القاسم باعتبار أنها تضمنت أيضا كثيرا من أقواله وآرائه المخرجة على أقوال أو أصوله , كما تنسب أيضا لسحنون باعتبار أنه هو من قام بتصحيحها وتهذيبها , أما النسبة لأسد بن فرات فلا تكاد تذكر مع أن البداية كانت معه .

تبدأ قصة المدونة مع تلميذ الإمام مالك أسد بن فرات الذي لازم مالكا ثلاث سنوات وسمع منه الموطأ , غير أن أسدا كان يتميز بكثرة الأسئلة والتفريعات الإفتراضية , ومعروف عن الإمام مالك كرهه لمثل هذه المناهج , فأشار عليه إن كان يحب الرأي أن يذهب للعراق .

رحل أسد بن فرات للعراق وهناك التقى محمد بن الحسن الشيباني وبعضا من تلاميذ الإمام أبا حنيفة . فناقش معهم مسائل فقهية ودونها في مصنف خاص , وظل في العراق حتى توفي الإمام مالك رحمه الله , ولما رأى تأسف الناس على علم مالك ندم على مفارقته , فقرر الذهاب إلى مصر لعله يلتقي بعضا من تلاميذ الإمام مالك الملازمين له ملازمة طويلة فيأخذ عنهم , وهناك التقى عبد الله ابن وهب وطلب منه أن يجيبه عن ما جاء به من العراق مما كتبه على أصلهم . فلما أراد أن يسأله في مسائل افتراضية قال له ابن وهب حسبك .

توجه أسد إلى أشهب ولكنه وجده يخطئ مالكا ويخالفه فتركه , واهتدى بعده لابن القاسم فوجد ضالته التي يريد , فقد كان أسد يسأل ابن القاسم عن رأي مالك فيما جاء بها من مسائل من العراق , وكانا الرجلان أحيانا يختلفان ويتناظران على قياس قول مالك في مسألة ما , فربما رجع أحدهما إلى قول الآخر حتى كتب عنه ستين كتابا , وهي الكتب التي سميت فيما بعد بالأسدية . إلا أن الأسدية كانت تحتاج لمراجعة وتصحيح , فلما عاد أسد للقيروان ورأى الناس إشتمالها على ألفاظ من مثل ( أخال , وأظن , وأحسب ) أظهرو تحفظا منها . فقد كان ابن القاسم يجيب أسدا فيما شك فيه بتلك الألفاظ .

وفي هذه المرحلة ظهر دور رجل ثالث هو تلميذ أسد . الإمام سحنون ليتولى مهمة التصحيح والمراجعة , فقام سحنون بأخذ نسخة من الأسدية ورحل بها إلى ابن القاسم في مصر , وهناك طلب منه أن يسمعه المدونة ليدقق ما فيها , فأسقط ابن القاسم كل ما كان من باب الظن , وكل ما يشك في نسبته للإمام مالك فإن لم يجد لمالك عنده قولا إجتهد ابن القاسم في تخريج المسألة على أصول مالك وأقواله . 

عاد سحنون إلى القيروان بالمدونة منقحة ومصححة على ابن القاسم , ومع سحنون كتاب من ابن القاسم أرسله إلى أسد يطالبه فيه أن يصحح الأسدية وفق ما في المدونة فأبى ذالك . ولما كانت المدونة مصححة على ابن القاسم أخذ بها الناس وتركوا الأسدية .

وكانت المدونة في هذه المرحلة لازالت مختلطة الأبواب غير مرتبة في مسائلها , وليس عليها تراجم أبواب أو عناوين مسائل . وهنا جاءت المرحلة الثانية بعد المراجعة وهي مرحلة التنظيم والتنقيح , فقام سحنون بتبويبها فطرح منها بعض المسائل ورتبها كما ترتب التصانيف , واحتج لمسائلها بالأحاديث والآثار خاصة من موطأ ابن وهب . ولكنه توفي قبل أن يكملها فبقيت أبواب منها على أصلها من اختلاط المسائل , فسميت هذه الأبواب بالمختلطة وهي أبواب معلومة ذكرها القاضي عياض وغيره . 

فالأسدية مرت بمرحلتين الأولى مرحلة المراجعة والتصحيح على ابن القاسم , والمرحلة الثانية هي مرحلة التنقيح والتهذيب والتبويب , وبقيت كتب منها سميت بالمختلطة فالمختلطة هي الكتب الفقهية من الأسديَّة التي عرضها سحنون على ابن القاسم وصحَّحها عليه ، ولكنه لم ينظر فيها النظرة الأخيرة التي ذكرها القاضي عياض وهي التنقيح والتنظيم , ولذا فالبعض يسميها المدونة والمختلطة لما تضمنته من تلك الأبواب التي لم تهذب ، ويذكر القاضي عياض أن أول من بوب الأبواب التي لم ينقحها سحنون هو الفقيه أبو أيوب سليمان بن عبد الله بن المبارك .

منزلة المدونة في الفقه المالكي 


تعد المدونة الأصل الثاني عند المالكية في تقرير أقوال الإمام مالك بعد الموطأ , فهي قد تضمنت خلاصة اجتهادات أربع من كبار العلماء مالك وأسد بن فرات وابن القاسم وسحنون . وأصبح المشهور في المذهب عند المغاربة هو قول ابن القاسم إذا كان في المدونة . وتفصيل المسألة كما قال ابن فرحون هي على النحو التالي : 

قول الإمام مالك في المدونة مقدم على قول ابن القاسم , وقول ابن القاسم فيها أول من قول غيره فيها لأنه أعلم بمذهب مالك , وقول غيره في المدونة أولى من قول ابن القاسم في غير المدونة لأن المدونة أصح . فالمشهور هو قول ابن القاسم إذا كان في المدونة .

فللمدونة أهمية كبرى في الفقه المالكي . ولذا فقد تلقاها الناس شرحا واختصارا وتهذيبا وحلا لمشكلاتها . ومن أهم المختصرات على المدونة والذي أخذ مكانة عالية في الفقه المالكي كتاب تهذيب المدونة البراذعي , حتى أن البعض أصبح يطلق إسم المدونة على هذا المختصر , فهذا المختصر سهل الألفاظ لا يستصعبه الطالب المبتدئ ولا يستغني عنه المنتهي .

يعود سبب تأليف البراذعي لمختصره أن المدونة صعبة على طلاب العلم , فقام بتقريبها وتسهيلها محافظا على ترتيب المدونة مع بعض التصرف في قليل من الأبواب تقديما وتأخيرا , وكان منهجه الإختصار والإيجاز دون الإخلال بأصل الكتاب ودون تعقيد في العبارة والألفاظ .

شارك الكتاب لتنفع به غيرك

ammar

الكاتب ammar

قد تعجبك هذه الكتب أيضاً

اكتب مراجعة

قوانين كتابة المراجعات
  1. يجب أن يحترم كل شخص مراجعات وآراء الشخص الآخر.
  2. يجب الابتعاد عن استخدام الكلمات البذيئة والسيئة وعن أسلوب التجريح والتشهير بالآخرين.
  3. يجب الالتزام بجميع قوانين سياسة الخصوصية الخاصة بموقعنا وإلا فإن عكس ذلك قد يعرض المراجعة للحذف.
  4. يمكنكم تضمين الصور أو الفيديوهات في المراجعات إذا لزم الأمر، وكل ما عليكم فعله هو وضع الرابط الصورة أو الفيديو ضمن المراجعة.

0 مراجعة

4968609480893345966
https://m3arif20.blogspot.com/