recent
أخبار ساخنة

التأهيل الإلهي للشخصية المحمدية

الصفحة الرئيسية

التأهيل الإلهي للشخصية المحمدية


الرسالة مهمة شاقة فكان لا بد من التأهيل الإلهي للشخصية المحمدية , ونقصد بالتأهيل مجموعة الخصائص التي منحها الله عز وجل لنبيه ليكون مستعدا لتحمل أعباء الرسالة . إن مهمة محمد نقل البشرية وتغيير تصوراتها العقدية والإجتماعية وحتى النفسية فكان ولا بد من أن يجعله الله مستجمعا للكمالات التي تفرقت في غيره من الرسل , فلا يرسل الله عز وجل بشرا عبثا فقد قال سبحانه (( اللهُ أَعْلَمْ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ )) . فحجة الله على خلقه هم رسله فلزم من ذالك أن يكونوا قمة في الكمال الإنساني كي يكونوا قدوة لغيرهم .
التأهيل الإلهي للشخصية المحمدية
التأهيل الإلاهي للشخصية المحمدية

مولد ويتم النبي وتأثيره في شخصيته .


ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين بلا خلاف , وأكثر العلماء أنه في الثاني عشر من ربيع الأول وقيل غير ذالك والذي أجمع عليه المؤرخون أنه ولد عام الفيل , لقد كان مولده آية من آيات النبوة , فلقد رأت أمه رؤيا منامية تحمل دلالة واضحة على شرف هذا المولود , ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
(( رأَتْ أُمِّي كأنَّهُ خرجَ منها نورٌ ، أضاءَتْ منه قصورُ الشامِ))
لقد كان هذا النور الذي أضاء الله به البشرية من ظلمات الجهل والشرك , وقد ذكر العلماء أن تخصيص الشام بالذكر فيه دلالة على بلوغ دينه واستقراره فيه , وقد بلغ واستقر في معجزة إخبارية .

ولد النبي يتيم الأب فقد مات أبوه قبل خروجه للدنيا وتولى رعايته جده عبد المطلب وهو من سماه محمدا , وهو إسم لم تكن العرب تسمي به أولادها قبل ذالك ولما سئل جده عن ذالك قال ليكون جديرا بثناء الدنيا فمحمد من الحمد والحمد هو الثناء . ثم ما لبث أن فقد أمه وهو لا يزال غلاما عمره ست سنين , وهكذا تكفل به جده عبد المطب تكفلا تاما فكان كأمه حنانا وحبا وكأبيه رعاية وحفظا , فقد كان يقدمه حتى على أبنائه وهم أعمام النبي فقد كان يحبه حبا عظيما . ثم توفي جده وكان قد اوصى به عمه أبا طالب فكفله ورعاه كأنه واحدا من أبنائه .

إن التأهيل الإلهي لنبيه إقتضى أن يهيأ له ظروفا مناسبة لنشوئه تنشئة بعيدة عن تأثير اليتم , فجعل له كفيلا هو من خير العرب وأشرفهم , رعاه وتولى أمره وقد جعل الله عز وجل هذا نعمة ومنة عليه فقال (( ألم يجدك يتيما فآوى )) .

يذكر الأخصائيون النفسانيون أن لليتم المبكر على الطفل تأثيرا كبيرا على شخصيته , فقد يصاب الولد باكتئاب نفسي وقد ينشئ ضعيف العلاقات الإجتماعية مع الآخرين , وقد تنشأ عنده إتكالية مفرطة على الآخرين , ولكن النفس المحمدية لم يكن فيها شيئ من ذالك بل كانت هذه التحولات النفسية سببا لنشوئه على الصلابة وقوة التحمل .

لقد كانت لهذه التقلبات والتحولات النفسية التي عايشها رسول الله من فقده لوالديه ثم لجده تأثيرا على رقة قلبه , ورهافة إحساسه فطالما كان عونا للضعيف رحيما بالمحتاج بعيدا عن التكبر والقسوة , وهو الذي طالما وصى أتباعه برعاية اليتيم والإحسان إليه .
مكان وفاة أبو النبي وأم النبي
مكان وفاة أبو النبي وأمه

طفولته في بادية بني سعد


كان من عادة العرب إرسال أولادهم إلى البوادي لينشؤوا تنشئة قوية , ففي كل عام تأتي نسوة البوادي من جوار مكة لأخذ المواليد الجدد مقابل أجر تأخذنه . جاءت حليمة السعدية ومعها زوجها الحارث ولم تكن تدري ما خبأ الله لها , لما وصلت النسوة إلى مكة سارعت كل واحدة منهن لتأخذ ولدا له أب غني كريم لعله يوفي الأجر ويزيد , وكلما اقتربت إحداهن من الولد اليتيم تركته فماذا عسى أن تصنع امه أو يصنع جده وعمه  من دفع أجرة الرعاية وزيادة فيها .

لو علمت تلك النسوة من يكون هذا الولد لتسابقن إليه ولو بلا بثمن , ولكن لله يؤتي فضله من يشاء وقد شاء أن يكون هذا الفضل لحليمة , وحليمة كغيرها كانت ترفض أخذ هذا الولد اليتيم الفقير , ولكن ليس بيدها حيلة فلم يبق إلا هو , والعودة بيد فارغة بعد تعب السفر مضيعة للوقت وخسارة للجهد , وانظر إلى قدر الله كيف قدره فلو شاء لبقي غيره من الأولاد لتأخذه حليمة وتمضي تاركة هذا الولد وراءها , لقد كان إختيار الرب لها ولطالما كان إختيار الرب للعبد أفضل من إختيار العبد لنفسه .

قبلت بهذا الغلام على مضض ولكن ما إن أخذته على اكتافها حتى حلت عليها بركات من السماء , فثديها الذي كان لا يُدِرُّ لبنا كافيا لابنها الذي جاءت به , ها هو أصبح يُدِرُّ لبنا يشبعه ويشبع رسول الله صلى الله عليه وسلم , أما أتانها الهزيلة التي طالما أخرتها عن الركب ها هي تسبق القوم جميعا , لقد فازت حليمة فوزا عظيما ما كانت تحلم به . وها هي تنام ليلة هادئة في باديتها بعد أن فقدت وزجها النوم الهادئ لليالي عدة بسبب بكاء ولدها جوعا .

لقد حلت نسمة مباركة على بيت حليمة فغنمها التي كانت تعود خاوية البطن لا تجد ما ترعى عليه من العشب , قد أصبح بطنها مملوء شِبَعًا , وأصبح الناس يوصون رعاتهم بالرعي مع راعي حليمة ولم يدروا أن هذا البيت قد خصه الله بالبركة . 

حادثة شق الصدر 


لما بلغ رسول الله من العمر سنتين ذهبت حليمة وزوجها به إلى مكة كي ترده إلى امه , وقد عزما أن يبقيانه ما استطاع عندهما فأخبرا أمه أنهما يتخوفان عليه وباء مكة وأسقامها فاتركيه ينشأ في البادية قوي الجسم فوافقت أمه .

في بادية بني سعد كان رسول الله يلعب مع غلامين إذ برجل ينزل فيصرعه ويشق عن صدره ليخرج علقة سوداء هي حظ الشيطان من قلبه , ثم يغسله في إناء من ذهب بماء زمزم  ثم يلأمه , هرع الغلامان من هول ما شاهدا إلى حليمة وزوجها فأخبراهما ان اخوهما قد قتل فأسرعا إليه إذ بلونه قد تغير فقرروا إعادته لأمه خوفا عليه فاعادوه إلى امه . 

لا شك أن النفس الطيبة يرجى لها الخير والبركة , فهي مَجْمَعٌ للخير ساعية إليه أما النفس الخبيثة فمبعث الشر ذات رائحة كريهة , فالعيش بنفس رضية صافية جالب للإطمئنان والثقة بالنفس وكذا ثقة المجتمع ومن حوله , إنه من أعظم التأهيلات الإلهية ومن المؤيدات القوية لرسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم كي يعيش في الجاهلية بنفس طاهرة زكية وسط هذا الزخم من الإنحراف .

تبدأ قصة طهارة نفسية رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول الله تعالى (( ألم نشرح لك صدرك )) , فانشراح صدره معنوي وحسي كما قال ابن العربي وجمهور المفسرين  , فالمعنوي تنقية قلبه وفطرته وتصفية سريرته إستعدادا لتلقي رسالة ربه , فقد ملأ الله قلبه بنور الحكمة حتى قبل البعثة ومن شرح الله صدره فهو على نور من ربه . 

يذكر الإمام الشوكاني أن إفتتاح الآية بالإستفهام التقريري المقصود منه إمتنان الله عز وجل على نبيه بهذه المنة العظيمة التي سهلت عليه حمل أعباء الرسالة وتأدية تكاليفها وحقوقها على أكمل وجه , وقد سأل نبي الله موسى عليه السلام ربه أن يشرح له صدره فقال (( رب اشرح لي صدري )) , وهكذا فإن نور القرآن وهداية الإسلام لا يشعان فيمن لم ينشرح صدره لطاعة الرحمن , 

أما الإنشراح الحسي فقد شُقّ عن صدره حقيقة في بادية بني سعد كما مر ذكره , وأخرجت منه علقة الشر التي يتعلق بها الشيطان ليأمر النفوس بالكفر والعصيان , ثم أعاد جبريل القلب الطاهر النقي إلى مكانه بعد أن غسله في وعاء من ذهب بماء زمز  . فكان لههذه الحادثة تأثيرا على شخصيته صلى الله عليه وسلم من طهارة ونقاء .

لقد شهد أنس رضي الله عنه وهو خادم النبي صلى الله عليه وسلم أثر هذه الحادثة فقال (( وقد كنت أرى ذالك المخيط في قلبه )) , ولو شاء الله ما ترك أثرا للمخيط ولكن لتكون معجزة مرئية ليزداد الذين آمنوا إيمانا فضلا من الله ورحمة , فهذا التطهير المعنوي في صورة حسية جانب آخر من جوانب التأهيل والتكوين القويم والمستمر للشخصية المحمدية , وهو أيضا إعلان من الله عز وجل لنبيه وللناس من حوله أن هذا البشر ليس بشرا عاديا ,  فقد أخرجه الله عز وجل من حالات الصبا اللاهية ليتصف بصفات الجِدِّ , كما أن أثر هذا التطهير يظهر في الحفظ التام له من الإنحراف وسط مجتمع جاهلي يعبد الأصنام ويأتي الفواحش دون نكير ولا حتى تأنيب أو تعيير بها .

قرين النبي صلى الله عليه وسلم يسلم فلا يأمره إلا بخير 


لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما منهم من أحد إلا ووكل به قرين من الجن يأمره بالشر فسألوه عن قرينه فقال (( أن الله اعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير )) , وقد ذكر النووي في شرح مسلم أن العلماء اختلفوا في رفع أو نصب (( فأسلم )) , فمن رفعها كان المعنى أن الله أعانه على هذا القرين فسلِم النبي صلى الله عليه وسلم من وساوسه الشيطانية , ومن نصبها كان المعنى عنده أن قرينه الشيطاني دخل الإسلام وأصبح مسلما  , فما أصدق قول ابن مسعود الذي لخص فيه طهارة قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال 
(( إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ))

حفظ الله لنبيه من مظاهر الجاهلية


عاش رسول الله وترعرع في بيئة شركية مليئة بالمظاهرالأخلاقية السيئة , تربى الناس فيها الناس وأخذوها كابرا عن كابر توارثها الأبناء عن الآباء والآباء عن الجداد , وقد قيل إن الإنسان ابن بيئته  .

وسط ذالك الزخم من الإنحرافات والفساد الأخلاقي بمختلف صوره منزنى وقمار واستعباد الناس وظلمهم يبرز هذا الشاب , الذي عرف بالأمين خلوق نقي لم يسجد لصنم قط , ولم يرتكب فضيحة أخلاقية رغم توفر دواعيها ولم يشرب خمرا أو يدنوا إليها .

يقص علينا حادثة حماه الله فيها , تبدأ القصة عندما كان يرعى غنما مع فتى من فتيان قريش في ليلة من الليالي , سمع غناء ومزامير ودفوفا لعرس من أعراس مكة , ولك أن تتصور حال عرس في بيئة جاهلية شركية , طلب رسول الله من رفيقه أن يعتني بغنمه حتى يسمر ليلته مع الفتيان , ولكنه لم يكن فتى عاديا فما إن دنى من القوم وأراد اللهو بذالك الغناء حتى غلبته عيناه , وما استيقظ إلا على لهيب الشمس . وبعد ان من الله عليه بالنبوة يذكر الموقف فيقول
 فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل اهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته
وجانب آخر من جوانب التأهيل والتكوين الرسالي عصمة الله له من أن تبدوا عورته كما هو ثابت في صحيح البخاري وذالك أثناء تجديد بناء الكعبة , فقد كان ينقل الحجر مع عمه العباس فطلب منه عمه أن يضع إزاره على كتفه لعله يخفف عنه أثر ثقل الحجارة , فلما هما أن يفعل ورفع إزاره سقط مغمى عليه فما استيقظ إلا وقو يقول (( إزاري إزاري )) , فحفظه الله من أن تكشف كشف عورته , وستر العورة أمر جبل عليه الإنسان ولكن شياطين من الإنس والجن إجتالت الناس فحرفت فطرتهم النقية فأصبحوا لا يبالون بكشفها , فما أحوجنا ان نعود لفطرتنا من ستر للعورات .

وهكذا فالتأهيل الرباني قد رافق النبي صلى الله عليه وسلم حتى قبل ولادته من توفير نسب شريف له , ثم عناية كاملة وتامة من جده وعمه , ثم تولي الله عز وجل في تطهير نفسه وحمايته من الإنزلاقات داخل مجتمع مليئ بالتصورات الخاطئة في الأخلاق والعقيدة والسلوك والعلاقات الإجتماعية . فكانت الشخصية المحمدية متوزانة ومستعدة لتلقي الرسالة .

المراجع :

  1. السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث       محمد علي الصلابي
  2. فقه السيرة      منير الغضبان
  3. فتح القدير      الشوكاني 
  4. أحكام القرآن       ابن العربي 
  5. فقه السيرة    محمد رمضان سعيد البوطي 
  6. فقه السيرة     محمد الغزالي 
  7. صحيح السيرة النبوية  إبراهيم العلي 
  8. منهج النبي في حماية الدعوة   الطيب برغوث 
  9. الرعاية والإعداد الإلاهي للنبي قبل البعثة     يحيى معابدة
google-playkhamsatmostaqltradent